
تعيش الأسرة السعودية مرحلة تحوّل لا تشبه ما سبقها: جيل من الآباء نشأ في بيوت ممتدة يربي اليوم أبناء في شقق صغيرة ومدن مزدحمة، وأمهات يعملن بنسب لم تعرفها المملكة من قبل، وأطفال يتعلمون من الشاشات قبل أن يتعلموا من الجد والجدة، وشباب يتزوجون في سن أكبر ويواجهون أسئلة عن السكن والتكاليف والتوازن بين العمل والبيت. ومع هذا التحول، تحولت النقاشات الأسرية من همس في المجالس إلى حوار عام في الإعلام ووسائل التواصل والمؤسسات الرسمية التي أُنشئت خصيصًا لهذه القضايا.
يتناول هذا المقال أبرز القضايا التي تشغل الأسرة السعودية في 2026، من التربية في زمن الشاشات، إلى عمل الأم وتوزيع الأدوار، إلى الزواج وتكاليفه، إلى رعاية كبار السن وأصحاب الإعاقة، إلى الإطار النظامي الذي ينظم شؤون الأسرة، والجهات والبرامج التي يمكن للأسرة اللجوء إليها عند الحاجة.
التربية في زمن الشاشات
لا توجد قضية تجمع عليها الأسر السعودية بقدر القلق من الوقت الذي يقضيه الأطفال والمراهقون أمام الشاشات. فالهاتف الذكي بات في يد الطفل قبل سن المدرسة، والألعاب الإلكترونية ومنصات الفيديو القصير تنافس المدرسة والأسرة على انتباهه. ويتجاوز النقاش مسألة المدة إلى طبيعة المحتوى والتأثير على النوم والتحصيل الدراسي والتواصل داخل البيت.
وتقدم جهات رسمية، كمجلس شؤون الأسرة والمركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية ووزارة التعليم، إرشادات تؤكد على بضعة مبادئ عملية: تأخير إعطاء الطفل هاتفًا خاصًا قدر الإمكان، وتحديد أوقات خالية من الشاشات خصوصًا على مائدة الطعام وقبل النوم، واستخدام أدوات الرقابة الأبوية المتاحة في الأجهزة، والأهم من ذلك أن يكون الوالدان قدوة في استخدامهما للهاتف، لأن الطفل يقلد ما يراه لا ما يسمعه. كما تنبه هذه الجهات إلى أن المنع الكامل غير واقعي وقد يأتي بنتائج عكسية، وأن البديل هو التوازن وملء وقت الطفل بأنشطة بديلة من رياضة وقراءة ولعب جماعي.
ويمتد النقاش إلى المراهقين تحديدًا، حيث تتداخل الشاشات مع قضايا الهوية والعلاقات والصورة الذاتية التي تصنعها منصات التواصل، وحيث يواجه الوالدان صعوبة أكبر في الرقابة المباشرة. ويرى المختصون أن الحوار المفتوح في هذه المرحلة أجدى من المنع، وأن المراهق الذي يشعر بأنه يستطيع إخبار والديه بما يواجهه على الإنترنت، من تنمر أو محتوى مزعج أو تواصل مريب، أكثر أمانًا من المراهق الذي يخفي كل شيء خوفًا من مصادرة الهاتف. وتقدم المدارس اليوم برامج للتوعية بالاستخدام الآمن للإنترنت، كما أطلقت جهات رسمية حملات تستهدف الأسر لتعريفها بالمخاطر الرقمية وطرق التعامل معها.
عمل الأم وتوزيع الأدوار داخل البيت
ارتفعت مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل إلى مستويات تجاوزت مستهدفات رؤية 2030 الأصلية، وهو ما غيّر معادلة البيت. فالأم العاملة تواجه يومًا مزدوجًا بين الوظيفة ورعاية الأبناء، وتظهر مسألة توزيع الأدوار بين الزوجين بوصفها نقاشًا أسريًا حقيقيًا بعد أن كانت محسومة بالعرف.
ويواكب هذا التحول توسع في خدمات دعم الأسرة العاملة: برنامج قرة لدعم رسوم حضانة أطفال العاملات، ومراكز ضيافة الأطفال في جهات العمل، والعمل المرن وعن بُعد الذي اتسع بعد تجربة السنوات الماضية، وإجازة الوضع التي رفعها نظام العمل إلى اثني عشر أسبوعًا. ويبقى الجانب الأهم ثقافيًا: فمشاركة الأب في الرعاية اليومية والمهام المنزلية لم تعد استثناءً، والأسر التي تنجح في هذا التوازن هي التي تتفق على توزيع واضح للمسؤوليات بدل تركه لتراكم الضغط والخلاف.
ويطرح هذا التحول سؤالًا آخر يتردد في المجالس: من يربي الأبناء حين يعمل الوالدان؟ فالاعتماد على العاملة المنزلية في الرعاية اليومية، وهو شائع في كثير من البيوت، يثير قلقًا من ضعف الرابط بين الطفل ووالديه ومن تأثيره على اللغة والقيم في السنوات الأولى. ويؤكد المختصون أن المسألة ليست في وجود المساعدة بل في حدودها: فالعاملة تساعد في المهام المنزلية، أما التربية والحوار والمتابعة الدراسية فتظل مسؤولية الوالدين مهما ضاق وقتهما، وأن ساعة يومية من الحضور الكامل مع الأبناء أفضل من يوم كامل من الوجود المشغول. كما عاد دور الأجداد إلى الواجهة بوصفه حلًا يجمع الرعاية بنقل القيم، وتفضّل أسر كثيرة السكن قرب الأهل لهذا السبب تحديدًا.
الزواج: السن والتكاليف والاستقرار
يشكّل الزواج محور نقاش دائم بين الأسر والشباب. فمتوسط سن الزواج ارتفع في المملكة خلال العقدين الماضيين، وتُعد تكاليف الزواج، من المهر والحفل إلى تأمين السكن وتأثيثه، العقبة الأكثر ذكرًا في النقاشات. وقد ظهرت في مواجهة ذلك مبادرات مجتمعية وخيرية للزواج الجماعي، وصناديق دعم الزواج في بعض المناطق، ودعوات متكررة لترشيد تكاليف الحفلات والمهور يقودها علماء ومثقفون وشخصيات عامة.
ومن جهة أخرى، أثار ارتفاع معدلات الطلاق في السنوات الأخيرة نقاشًا حول أسبابه، من الزواج دون تأهيل إلى ضغوط المعيشة إلى تغير توقعات كل طرف من الآخر. واستجابت الدولة ببرامج للتأهيل قبل الزواج، منها الفحص الطبي الإلزامي قبل الزواج الذي بات يشمل أمراض الدم الوراثية والأمراض المعدية، ودورات التأهيل الأسري التي تقدمها جمعيات متخصصة، ومراكز الإصلاح الأسري التابعة للمحاكم التي تحاول حل الخلافات قبل أن تصل إلى الطلاق. ويؤكد المختصون أن الاستقرار الأسري يبدأ قبل عقد القران، بالاختيار الواعي والاتفاق على التوقعات والمسؤوليات.
ويحتل السكن موقعًا مركزيًا في هذا النقاش، فارتفاع الإيجارات في المدن الكبرى، وخصوصًا الرياض التي شهدت قفزات لافتة في السنوات الأخيرة، يجعل الزوجين الشابين يبدآن حياتهما بعبء شهري كبير، ويدفع كثيرين إلى تأجيل الزواج أو الإنجاب. وتسعى برامج الإسكان إلى معالجة ذلك عبر التمويل المدعوم وخيارات البناء الذاتي والوحدات الجاهزة بأسعار أقل في الضواحي الجديدة، كما تدرس الجهات المختصة إجراءات لضبط الإيجارات في الرياض. ويبقى من الحلول العملية التي تلجأ إليها أسر كثيرة السكن المؤقت مع الأهل أو في ملحق تابع لمنزل العائلة خلال السنوات الأولى، وهو خيار يخفف العبء ويحافظ على الترابط الأسري في آن.
رعاية كبار السن وأصحاب الإعاقة
كان المجتمع السعودي يفخر دائمًا برعاية كبار السن داخل الأسرة، لكن تغير نمط السكن وانتشار الأسرة النووية وعمل الأبناء جعل هذه الرعاية أكثر صعوبة من الناحية العملية. ويتجه النقاش اليوم إلى كيفية الحفاظ على قيمة البر في ظروف مختلفة، عبر الرعاية المنزلية والخدمات الصحية المتنقلة والمراكز النهارية التي تتيح للمسن النشاط والتواصل الاجتماعي دون أن يُفصل عن أسرته. وتقدم وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية برامج للرعاية المنزلية والإعانات، إضافة إلى دور الرعاية لمن لا عائل لهم.
وفي ما يخص أصحاب الإعاقة، تحولت النظرة من الرعاية إلى التمكين: برامج دمج في المدارس، ومتطلبات لتهيئة المباني والمرافق العامة، وبطاقة الأولوية للخدمات، وحصص في التوظيف، وهيئة متخصصة هي هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة. والقضية التي تشغل الأسر هي الفجوة بين الأنظمة والتطبيق، خصوصًا في المناطق البعيدة عن المدن الكبرى، وهو ما يجعل مطالبة الأسر بتوسيع الخدمات موضوعًا متكررًا في النقاش العام.
وتبرز في هذا السياق قضية الأسر التي ترعى أحد أفرادها من كبار السن أو ذوي الإعاقة على مدار الساعة، وهو عبء يقع غالبًا على أحد الأبناء أو البنات دون غيرهم، وقد يستنزفه نفسيًا وماليًا ومهنيًا. ويدعو المختصون إلى توزيع المسؤولية بين الإخوة، والاستفادة من خدمات الرعاية المؤقتة التي تمنح مقدم الرعاية فترات راحة، والانضمام إلى مجموعات الدعم التي تجمع أسرًا تواجه الظروف نفسها. كما تتيح الأنظمة الحديثة لمقدم الرعاية التقدم للحصول على إعانات وخدمات دون أن يُفهم ذلك على أنه تقصير في البر، فالاستعانة بالخدمات المتخصصة جزء من الرعاية الجيدة لا بديل عنها.
الإطار النظامي لشؤون الأسرة
شهدت السنوات الأخيرة تحولًا في الإطار النظامي الذي يحكم العلاقات الأسرية. فنظام الأحوال الشخصية الذي صدر عام 2022 نظّم لأول مرة في نص مكتوب مسائل الخطبة والزواج والمهر والنفقة والحضانة والطلاق والميراث والولاية، بما يقلل الاجتهاد الفردي في المحاكم ويمنح الأسر وضوحًا في حقوقها وواجباتها. وتُعد أحكام الحضانة والنفقة والرؤية الأكثر تأثيرًا في النقاش الأسري لأنها تمس آلاف الأسر سنويًا، كما نظّم النظام مسائل كانت محل خلاف كالطلاق الغيابي وتوثيق الزواج.
ويرافق ذلك نظام الحماية من الإيذاء ونظام حماية الطفل اللذان يوفران آليات للإبلاغ والتدخل عند وجود عنف أسري أو إهمال، عبر مركز بلاغات العنف الأسري الذي يعمل على مدار الساعة. وأُنشئ مجلس شؤون الأسرة بوصفه الجهة التي تنسق سياسات الأسرة بين الوزارات وتُعد الدراسات وتقترح الأنظمة، وهو ما جعل للأسرة صوتًا مؤسسيًا في صناعة القرار بعد أن كانت موزعة بين جهات عدة. ويساعد فهم هذا الإطار الأسر على اللجوء إلى القنوات الصحيحة عند وقوع خلاف، بدل تركه يتفاقم أو الاعتماد على معلومات غير دقيقة.
الجهات والبرامج التي يمكن للأسرة اللجوء إليها
تتعدد الجهات التي تقدم دعمًا مباشرًا للأسرة السعودية، ومعرفتها توفر على الأسرة وقتًا وجهدًا عند الحاجة:
مجلس شؤون الأسرة: يصدر الأدلة الإرشادية للوالدين وبرامج التوعية في التربية والعلاقات الأسرية ورعاية كبار السن، وينظم حملات وطنية حول قضايا الأسرة.
مركز بلاغات العنف الأسري (1919): خط موحد للإبلاغ عن الإيذاء والإهمال داخل الأسرة، يعمل على مدار الساعة ويحيل الحالات للجهات المختصة مع ضمان السرية.
مراكز الإصلاح الأسري: تابعة لوزارة العدل، وتسعى إلى حل الخلافات الزوجية وديًا قبل التقاضي، وتقدم الاستشارات للأزواج.
برنامج جودة الحياة: أحد برامج رؤية 2030، ويعمل على توفير الخيارات الترفيهية والرياضية والثقافية للأسر في مختلف المدن، وهو ما ينعكس على الوقت الذي تقضيه الأسرة معًا.
الجمعيات الأسرية المتخصصة: جمعيات مرخصة تقدم دورات التأهيل قبل الزواج والاستشارات الأسرية ودعم المطلقات والأرامل، وكثير منها يقدم خدماته مجانًا.
المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية: يقدم استشارات عبر خط مساندة الأسر التي تمر بضغوط أو تحتاج إلى توجيه في التعامل مع الأبناء.
الأسئلة الشائعة
ما أفضل سن لإعطاء الطفل هاتفًا خاصًا؟ لا يوجد سن محدد بالنظام، لكن الإرشادات التربوية تنصح بالتأخير قدر الإمكان وبأن يرتبط الهاتف بالحاجة الفعلية كالتواصل مع الأسرة لا بالترفيه، مع تفعيل أدوات الرقابة الأبوية والاتفاق المسبق على قواعد الاستخدام.
هل يمكن حل الخلاف الزوجي دون اللجوء إلى المحكمة؟ نعم، عبر مراكز الإصلاح الأسري التابعة لوزارة العدل والجمعيات الأسرية التي تقدم الوساطة والاستشارة، وكثير من الخلافات تُحل في هذه المرحلة.
ما الجهة التي يُبلَّغ فيها عن إيذاء داخل الأسرة؟ مركز بلاغات العنف الأسري عبر الرقم 1919، ويستقبل البلاغات على مدار الساعة من الضحية أو من أي شخص يعلم بالحالة.
كيف تستفيد الأم العاملة من دعم الحضانة؟ عبر برنامج قرة التابع لصندوق تنمية الموارد البشرية، الذي يدعم جزءًا من رسوم الحضانة للعاملات في القطاع الخاص وفق شروط محددة تُعلن عبر منصته.
0 تعليقات